رئيس مجلس الادارةعبير عيد سليمان
رئيس التحريرصلاح عبد المنعم

حمدين صباحى يكتب مقاله بروح ثورة يناير |..سيدنا الشعب…

حمدين صباحى يكتب مقاله بروح ثورة يناير |..سيدنا الشعب…

450

 بقلم |حمدين صباحى

نشرت جريدة الشروق فى عددها الصادر ، الجمعة، مقالًا للمناضل حمدين صباحى ،كتب فيه ان الشعب هو صاحب السيادة والارداة…

1ــ القائد والمعلم

صانع التاريخ وصائغ الثقافة وبانى الحضارة.
شق الصخر وروض النهر وأفلح الأرض وخضر الصحراء ودور المكن ونشر العمار، «مطرح ما يمشى يفتح النوار».
الحامى للضمير والحارس للدين والحافظ المجدد للقيم واللغة والهوية.
وقود كل حرب وضمان كل سلام.
منه كل دم مراق، ضحايا كل ظلم، وشهداء كل ثورة.
مستودع الهم والغم والحزن وينبوع الفرح والبشرى والأمل.
جمل المحامل، حمال الأسية، صبره لا ينفد وغضبه لا يرد.
وهو سيد مواقيته، له مواعيد لا يعلمها إلا هو.
إنه الشعب القائد والمعلم.

2ــ جزاء سنمار: الاحتقار والإنكار

لكنهم لم يقدروا الشعب حق قدره. احتقروه وأنكروه. صعدوا على أكتافه، هو صاحب الفضل، وعندما صعدوا ركلوه.
الفريق الأول مجرم عن عمد.
فريق الاستبداد بالسلطة والاحتكار للثروة. يؤمن هؤلاء أن قيام دولتهم وبقاء سطوتهم يعتمد على دستور غير مكتوب يعبر عن فلسفة صارمة خلاصتها احتقار الشعب.
يرددون: شعب جاهل، أمى، عديم الوعى، لم ينضج لممارسة الديمقراطية، غير مؤهل لحكم نفسه. بمثل هذا الخطاب وما يفرزه وتروجه الأقلية المهيمنة من أكاذيب يتم شرعنة الاستبداد وتقنين حرمان الشعب من حقوقه السياسية والمدنية.
ويرددون: شعب عواطلى، طفس، كسلان، غاوى فقر، ضعيف الإنتاجية، متدنى الكفاءة. وبمثل هذا يطمئن حلف الحكام اللئام ومماليك المال الحرام إلى عدالة التوزيع الظالم للثروة، ومشروعية حرمان الشعب من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية.
لا يكمن الخلل ــ عندهم ــ فى النظام السياسى الاقتصادى الاجتماعى القائم على الاستبداد والاستغلا والفساد والقهر والنهب والاحتكار والمحسوبية والتمييز والتفرقة الطبقية، بل الخلل فى الشعب نفسه.
تزييف الوعى صناعة عريقة قوية العتاد مهمتها إدانة الضحية وتبرئة الجلاد.
ووظيفتها إقناع الناس بتصديق الكذبة الرائجة للوقوف ضد مصالحهم، السلطة بريئة والعيب فى الشعب… ويستاهل.
من بروتوكولات الاستبداد أن يحتقر المستبد شعبه دون أن يحقره علنا، الجهر بتحقير الشعب والحط من قدره والاستهانة بقدرته وتحميله مسئولية تخلفه من مهام «الشماشرجية» فى «طبلخانات» الإعلام وأدوات التأثير فى الرأى العام، أما المستبد وعصبته فيحتقرون الشعب فى نفوسهم وسياساتهم، ولا يجهرون بتحقيره علنا فى تصريحاتهم وعلى ألسنتهم.
لكن بعضهم لا يحسن الانضباط على القاعدة، تصريح وزير العدل المقال عن عدم أهلية ابن الزبال مجرد مثال، لكن الأمثلة تتواتر من القول القديم الذى لم تصح نسبته ومع هذا تفاقمت شهرته: شعب تجمعه الطبلة وتفرقه العصا، إلى تصريح أحمد نظيف: شعب لم ينضج لممارسة الديمقراطية.
ثم يمن المستبد الفاشل على الشعب بأنه يتحمل أعباء الحكم بينما الشعب الجاحد لا يحسن الانقياد، ولا يكف عن قوله هات هات هات، ويسرف فى استهلاك السكر لتحلية الشاى كما قال حسنى مبارك ذات يوم، معقبا بجملته الشهيرة التى تجسد فلسفة حكمه وحدود إدراكه لدور الدولة ومسئوليات الرئيس: أجيب لكم منين!؟
من الطبيعى أن نفهم دوافع هذا الفريق الأول من محقرى الشعب، فهو يمارس جريمته عن وعى مع سبق الإصرار والترصد دفاعا عن غنائمه فى السلطة والثروة، تحقير الشعب هنا سلاح فى الصراع مع الشعب وعليه.
الفريق الثانى من محتقرى الشعب هو جماعات محتكرى الدين.
ينطلق هذا الفريق من تفسيره القسرى وتوظيفه النفعى للإسلام، فهو يضع الجماعة فوق المجتمع وإخوانه فوق الشعب. والجماعة تحتكر أفعل التفضيل فهى الأنقى تدينا والأفضل خلقا والأقوم سلوكا والأعظم جهادا والأشد ابتلاء والأجمل صبرا والأسخى عطاء إلى آخر سلسلة الأفضل فى الدين وفى الدنيا وفى الآخرة.
هذا الفهم التفضيلى الاستعلائى ينطوى بالضرورة على احتقار ضمنى أو صريح للشعب بما انه لم ينخرط فى صفوف الجماعة ولم يرتق إلى الأفضل الذى تحتكره.
الشعب كمفهوم سياسى يرتبط بالدولة الوطنية الحديثة التى تقوم كما اتفقت العلوم السياسية على ثلاثة أسس: الأرض والشعب والسيادة.
تبلورت الأمم والشعوب عبر معادلة بسيطة عميقة هى علاقة البشر بالأرض عبر التاريخ.
وانتجت هذه العلاقة ثقافات متعددة تتجاور وتتحاور وتتصادم وتتصارع، وتمايز بين الشعوب بعوامل عدة أهمها اللغة. صار الناس شعبا وصارت الأرض وطنا ووصلت الانسانية إلى مرحلة الدولة الأمة/ الدولة القومية/ الدولة الوطنية.
الاسلام هو العامل الرئيسى فى تكوين الأمة العربية ونشر لغتها التى ميزتها عن سواها من الأمم بما فيها الجاران الأقربان اللذان اعتنقا نفس الدين وهما الأمة الفارسية والأمة التركية.
والشعب المصرى ينتمى للأمة العربية وهويتها الحضارية، انتماء اصيلا لم يفرضه حزب أو جماعة أو زعيم بل تبلور عبر اربعة عشر قرنا من التفاع والابداع الانسانى بالعرق والفكر والدم.
الاسلام هو عمود خيمة الثقافة المشتركة التى بلورها الشعب كله بمسلميه ومسيحييه. هذه الهوية الحضارية التى أحسن التعبير عنها مكرم عبيد بقوله البليغ: أنا مسيحى دينا مسلم وطنا.
كل رؤية للمستقبل محكوم عليها بالفشل ما لم تتسق مع الحقائق التى أنتجها التاريخ، ومنها حقيقة الأمة العربية مكتملة التكوين وفى قلبها الشعب المصرى ككيان متماسك بثقافته وهويته الحضارية المركبة الموحدة، وحقيقة الدولة الوطنية أو الدولة القومية، وحقيقة الدور الرئيسى للإسلام دينا وثقافة وحضارة وتأثيره العميق فى وجدان ووعى الشعب وانه كما اراده الله للناس جميعا بلا كهنوت ولا احتكار.
لكن جماعات احتكار وتسييس الدين، من الإخوان إلى داعش، تتجاوز كل هذه الحقائق، فتلتف عليها أو تتصادم معها، فمشروعها يسعى لإقامة الخلافة الإسلامية، ويتجاوز الدولة الوطنية بأرضها وشعبها وسيادتها. هذا الوعى المصنوع يفضى إلى ما هو أخطر وأنكى من تحقير الشعب، يفضى إلى إنكاره، وهذا قد يفسر ــ ضمن عوامل أخرى ــ خطيئة الإخوان حين أنكروا حق الشعب فى الثورة على حكمهم الفاشل فى موجة 30 يونيو.
العرب، وفق هذا الوعى، ليسوا أمة. والمصريون ليسوا شعبا بل جمعا، تستهدفه الجماعة لتهديه وتحكمه وتحكم عليه، فإن وافقها فهو طيب يجوز توقيره، وان خالفها فهو خبيث يجب تحقيره ويجوز تكفيره.
لا تؤمن الجماعة بالشعب، وإن فعلت فعلى شرط، كمن يعبد الله على حرف، إذا انتصر لها الشعب فهو مصدر الشرعية وصانع الديمقراطية وصوت السيادة، وإذا انتصر عليها فهو عبيد البيادة.

3ــ نيران صديقة

الفريق الثالث من محتقرى الشعب ليست له مصلحة بل هو ضحية جريمته التى يرتكبها بنفسه ضد نفسه فى سلوك انتحارى مختل.
هذا الفريق يقف مع الشعب، يتبنى أهدافه ويدافع عن مصالحه ويطالب بحقوقه، شارك فى الثورة بموجتيها فى 25 يناير و30 يونيو وتعرض للمخاطر ببسالة، وواجه السلطة بشجاعة حتى أسقط مبارك ثم مرسى، كان على خط النار ضد أعداء الشعب الذين احتقروه وأنكروه، ورغم هذا ورغم قلبه المشتعل بالحماسة للشعب ــ وربما بسببه ــ انزلق نحو تحقيره.
يرددون: شعب خانع، خائف، ساكت، باع الثورة، فرط فى دم الشهداء، انضحك عليه، يستاهل اللى يجرى له، خليه يشوف.
بينما الشعب يتلقى طعنات محتقريه ومنكريه تنهال عليه طلقات بعض مناصريه من بعض الثوار؛ إنها نيران صديقة.
الثوار صيغة جمع تتسع بمرونة اللغة العربية لتجمع الثائر والثورى معا، فلا خط على الأرض يفصل بينهما ولا وشم يدبغ جلد أحدهما دون الآخر، لكن التمييز يبقى ضرورة وفقا لمعايير أولها وأهمها احترام الشعب والارتباط بالشعب.
الثائر فورة غضب وهبة احتجاج وموجة رفض مشروع لواقع مرفوض.
الثورى، فوق ذلك ومعه، طاقة تنوير، وقوة تغيير وصائغ بدائل لمستقبل منشود.
الثائر يبدأ مهمة مقاول الهدم والثورى يكمل مهمة مهندس البناء.
كل ثورى ثائر لكن ليس كل ثائر ثويا.
قد يتوهم الثائر أنه قادر على القيام بالثورة، ولكن الثورى يؤمن بأنه لا يقوم بالثورة إلا الشعب.
والثورة ليست خطا مستقيما هو الأقصر بين نقطتين، ولا طريقا ممهدا ينقلنا بسرعة وأمان من الواقع المفروض إلى المستقبل المنشود.
الثورة طريق طويل وعر، شاق شائق شائك، تعترضه حفر ومطبات طبيعية وصناعية، منحنيات خطرة ومسارات إجبارية، عودة اضطرارية للخلف قبل أن تستعيد الاتجاه، أمامك تحويلة، مزلقانات تضطرك للانتظار حتى يعبر القطار، أنفاق تضيق بنا ونضيق بها، وربما تركن يمين حتى يأتيك (چركن) بنزين. ناهيك عن قطاع الطرق والأدلاء الجهلة والمرشدين الضالين.
هذا درس الثورات على مر التاريخ، يعيه الثورى ويعرف أن الطريق طويل كلما قطع الشعب عليه مرحلة لاحت له فى المنى مراحل، وكلما كسب معركة فرض عليه أعداؤه معارك؛ لهذا يتزود بالثقة فى الله والشعب والنفس ليواجه طول السفر وقلة الزاد ووحشة الطريق وافتقاد الرفيق ونفاد الصبر وشحوب الأمل.
لكن بعض الثائرين يستوحشون طريق الحق، لا لقلة سالكيه، فهم الكثرة الغالبة، وإنما لنفاد صبره وقد طال عليه الأمد ورأى ثورته تسرق ودم أصدقائه يهدر ووجوه أعدائه تطل عليه شائهة شامتة، فينفجر غضبا ويفلت عياره.
يغضب على أعداء الثورة من محتقرى الشعب ومنكريه، وهذا واجب.
ويغضب على قوى الثورة أحزاب وتنظيمات ورموز وقيادات ونخب وكوادر فلا يسلم من غضبه حتى رفاق الميدان وشركاء الحلم، وهذا حق ولو أسىء استخدامه.
ويغضب على الشعب، وهذا عين الباطل.
الثورى لا يغضب على الشعب وانما يغضب للشعب.
يريد الثائر النزق بمشاعره العميقة ووعيه الضحل أن تكون الثورة فيلم أكشن محبوكا يصل إلى النهاية السعيدة فى ساعة ونصف.
ويعلم الشعب ويتعلم الثورى، أن دراما الثورة التاريخية هى مسلسل متعدد الأجزاء والحلقات؛ إذا انتهت حلقة بخيبة أخرى أو انتكاسة أو عثرة على الطريق فلا يجزع ولا ييأس ولا ينفلت عياره فيصوب الطلقات نحو الشعب، لأنه يوقن أن المسلسل طويل والنهاية مؤكدة.. نصر مبين للشعب واندحار مهين لأعدائه.
الثورى لا يسبق الشعب فينفصل عن الركب، ولا يتأخر فيتخلف، إنه يتوخى الوصول إلى مقام «حاذيت خطو الشعب؛ لا أمامه لا خلفه».
من واجب الثائر أن يرتقى بنفسه ليكون ثوريا، فهو مهيأ وإن كان غير مؤهل ـ وعلى تعدد شروط هذا التأهيل ـ فإن الشرط الحاكم هو الإيمان بالشعب.. الثقة فى الشعب.. حب الشعب.. التعلم من الشعب.. التأدب فى حضرة الشعب.. الصبر مع الشعب.

4ــ إنك لن تستطيع معى صبرا

حال بعض الثائرين مع الشعب كحال سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، والقياس مع الفارق. كان لسيدنا موسى ما يكفى من الأسباب ليحسب نفسه أكثر خلق الله علما، فهو نبى الله وكليمه، وأراد ربك أن يعلمه درسا فساقه إلى من هو أرحم وأعلم وأحكم: سيدنا الخضر. ولم يكن الخضر كموسى رسولا من أولى العزم، وإنما «عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما» (الكهف 66)
فاشترط عليه الخضر أن يصبر فى صحبته وينتظر تفسير ما يرى منه وألا يتعجل فى إصدار حكمه. وافق موسى لكنه لم يصبر؛ رأى العبد الصالح يخرق السفينة ويقتل الغلام ويقيم جدارا أوشك أن ينقض فانبرى رافضا مستنكرا مستهجنا: «أخرقتها لتغرق أهلها» (71)، «أقتلت نفسا زكية بغير نفس» (74)، «لو شئت لاتخذت عليه أجرا» (77).
ولم يكن صبر بعض الثائرين أطول من صبر سيدنا موسى، ولا استنكارهم للشعب أقل من استنكاره لسيدنا الخضر: (تركتم الميدان؟!، انتخبتم الإخوان؟! فوضتم العسكر؟!) وتوالت زخات النيران الصديقة.
«هذا فراق بينى وبينك» (78)، قالها سيدنا الخضر ليردع نفاد صبر موسى. وليعيده إلى صوابه قبل أن ينبئه بتأويل ما لم يستطع عليه صبرا.
ولعله نفس الفراق الذى نشهده بين الشعب وبين هذا البعض من الثائرين، والذى امتد أثره الفادح ليصيب العلاقة بين الشعب وكثير من الثوريين، وفى هذا الفراق يكمن الخلل الرئيسى الذى يهدد استكمال الثورة ويفسر ما تعرضت له من خيبات وعثرات على طريقها الصعب.
ما الذى يمكن ان يساعدنا على إنهاء هذا الفراق؟
أن نجتهد فى قراءة أحداث السنوات التى مرت من عمر ثورتنا، قراءة كاشفة لدور الشعب تعيد له الاعتبار، وتعيدنا إلى حلاوة اليقين فى قدرته والاطمئنان إلى حكمته والثقة فى وعيه والصبر على صحبته، وتصويب الأحكام المتسرعة عليه والكف عن عبث إطلاق النيران الصديقة على صدره.
قراءة لا تدعى الحياد، فلا حياد فى الثورة، الثورة انحياز معلن لقيم وقوى اجتماعية. ولا حياد فى الدراسات الاجتماعية، حسبها أن تتحرى دقة المعلومات وصحة الوقائع ومنطقية الاستدلال والاستنتاج ثم تتفاوت التأويلات وتتعدد القراءات.
فمن كانت هجرته إلى الشعب وثورته فقراءته تنتصر للشعب والثورة، ومن كانت هجرته إلى سلطة يمدحها أو جماعة يتبعها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
«تأتى لكل قارئ قراءة
وكل مبصر تأتيه شمعة مضاءة»
قراءة تثبت قلوب المؤمنين بالشعب وتخلع قلوب محتقرى الشعب ومنكريه.
قراءة العقل الواعى والقلب السليم
قراءة تنبئنا بتأويل ما لم نستطع عليه صبرا.

5ــ السيادة للشعب

هذا هو المبدأ الأساسى الذى تقوم عليه كل الدساتير فى الدول الديمقراطية. الدساتير لا تمنح الشعوب السيادة بل الشعوب تمنح نفسها دساتيرها بما فيها النص على سيادتها. النص الدستورى كاشف وليس منشئا لسيادة الشعب.
السيادة للشعب. الشعب سيدنا بالنص الدستورى. وسيدنا بالمعنى الصوفى.
والقيادة للشعب. لكنه ليس معصوما، الشعب ليس كائنا خرافيا مثاليا مكتملا، انه كيان اجتماعى تاريخى يعتريه الضعف ويصيبه القصور ويطول العطب بعض شرائحه، فينكسر حينا ويخسر حينا ويغلب على امره حينا وربما يخطئ لكنه لا يخون، ولا يفرط فى أهدافه الكبرى، وهو وحده القادر على جبر انكساراته واصلاح عطبه وتعويض خسائره وتصحيح اختياره وتصويب مساره ومواصلة معاركه حتى النصر.
وليس لأحد ان يحكم على الشعب، الشعب يحكم على الجميع. وليس للثورى إلا ان يتوجه للشعب ويجتهد فى الوصول اليه ويقترح عليه، ثم يقبل باحترام وتفهم قرار الشعب وافقه ام خالفه. والواعى من يعى ان للشعب طرقا غامضة قد لا تتجلى حكمتها الا بعد حين أو لمن يحسن الظن بالشعب ويحسن التأويل.
السيادة والقيادة حقوق أصلية لصيقة بالشعب غير قابلة للتنازل، وهو يوكلها بإرادته لمن يكلفه ليعبر عنها ويدير مهامها ويدبر شئونها فى مؤسسات الدولة أو عبر مراحل الثورة. وهو تكليف مشروط باحترام وتأكيد سيادة وقيادة الشعب، لا قيمة لقيادة الزعيم أو سيادة الرئيس بدون رضا الشعب، إنها أمانة يودعها الأصيل بيد الوكيل ثم يراقبه ويحاسبه فيثبت من صانها وأحسن أداءها ويخلع من خانها أو عجز عن الوفاء بها.
وهذا هو جوهر الديمقراطية.

6 ــ ستة براهين

فهل قدم الشعب المصرى برهانا يثبت قدرته على ممارسة الديمقراطية؟
نعم، القراءة المنصفة لوقائع السنوات التى مرت منذ تفجرت ثورة يناير تثبت القدرة المذهلة للشعب المصرى على ممارسة الديمقراطية وتأكيد سيادته وقيادته، وقدرته على فرض حقه فى أن يمنح ويمنع ويعين ويعزل ويراقب ويحاسب أى قدرته على ممارسة الديمقراطية.
ولم يكن برهانا واحدا بل ستة براهين متوالية قدمها الشعب بتغيير قيادته ست مرات متتالية، وفى زمن قياسى لا يزيد على ثلاث سنوات ونصف:
• القيادة الأولى: القيادة المدنية من الشباب والرموز السياسية والثقافية 25 يناير 2011
• القيادة الثانية: قيادة المجلس العسكرى 11 فبراير 2011
• القيادة الثالثة: قيادة الإخوان المسلمين 15 فبراير 2012 (البرلمان) ثم 18 يونيو2012 (انتخاب محمد مرسى رئيسا للجمهورية)
• القيادة الرابعة القيادة المدنية (مرة ثانية) 30 يونيو 2013
• القيادة الخامسة: قيادة الشراكة الوطنية 3 يوليو 2013
• القيادة السادسة: قيادة المؤسسة العسكرية 26 يوليو 2013 (التفويض) ثم 3 يونيو 2014 (انتخاب عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية)
القراءة الواعية لدور الشعب عبر هذه البراهين الستة تعلمنا الكثير من الدروس.

7ــ الدرس الأول

1ــ نسج العمال والفلاحون والموظفون ضفيرة غضب اجتماعيا، ونسج المثقفون ضفيرة غضب سياسيا، تكاثرت وتكررت الوقفات والاعتصامات والمؤتمرات والمظاهرات لكن مبارك لم يسقط.
فلما حضرت الملايين وجدلت الضفيرتين فى حبل متين وملأت الميادين سقط مبارك.
لسنوات ظل القادة الحالمون المثابرون يتظاهرون بالمئات ويحوطهم الأمن المركزى بالآلاف، بينما الملايين على حواف الميدان تنظر إليهم بشفقة وتدعو لهم فى صمت وتنصرف عنهم إلى أكل العيش المر.
فلما كان 25 يناير دخل نفس القادة نفس الميدان، بعضهم من الشباب المبادر يدخله ربما للمرة الأولى وبعضهم من النخبة المثابرة يدخله ربما للمرة الألف. لكن الملايين التى طالما عبرت حواف الميدان بصمت كانت هنا فى قلب الميدان لا صوت يعلو فوق صوتها، حملتهم على الأعناق ونصبتهم قيادة للثورة وانبهرت بهم الدنيا وهم يقررون مصير أم الدنيا.
يفاخر بعض الشباب وبعض الرموز بأنهم مفجرو الثورة ووقودها ودعاتها وحماتها، وهذا صحيح، لكنهم لو لا الشعب ما أنجزوها، لولا الشعب ما سقط مبارك ولاستمر يهزأ بهم: «خليهم يتسلوا»، لولا الشعب لكانت 25 يناير مظاهرة أخرى وبقى الثوار مجرد صوت نبيل فى البرية يستحق الاحترام أو يستثير الشفقة.

2ــ لم يكن خافيا أن الجيش غير راض عن التوريث لأسباب عديدة أهمها أنه ينزع مركز الثقل فى الدولة من قلبها القوى الذى يمثله الجيش إلى جماعة مصالح فاسدة لا يأتمنها وطنى على مصير البلاد.
لكن مشروع التوريث كان يتقدم رغم أنف الجيش دون أن يتمكن من التصدى له.
فلما حضر الشعب وتصدى للأب والابن؛ اتخذ الجيش موقف الحياد الإيجابى لصالح الشعب، ولما صار سقوط مبارك قدرا لا فرار منه؛ أعلن الجيش انحيازه للثورة. وعلى وقع هتاف الملايين «الجيش والشعب إيد واحدة» تولى المجلس العسكرى فى 11 فبراير قيادة المرحلة الانتقالية.
يفاخر الجيش بأنه المؤسسة الأقوى فى مصر، ومعه حق، لكنه لم يتمكن من مواجهة عصبة جمال مبارك، لولا الشعب ما تولى المجلس العسكرى القيادة، ولوجد نفسه تحت قيادة غلمان التوريث.

3ــ ظلت جماعة الإخوان المسلمين ثمانين عاما محظورة أو محصورة، تسعى إلى السلطة ولا تصل إليها، جربت كل الطرق من العنف ضد الحاكم إلى عقد الصفقات معه، ومن الخروج عليه إلى التزلف إليه، من المواجهة إلى المداهنة، من تدبير الانقلابات إلى خوض الانتخابات، من الإرهاب إلى الكباب والزيت والسكر، لكنها لم تفلح فى تولى السلطة.
حتى قرر الشعب، فى برهانه الثالث، أن يمنحها فرصة القيادة بعد مشاركتها المتأخرة، والمثمرة، فى ثورة يناير. أعطاها أغلبية البرلمان فى انتخابات نزيهة فبراير 2012 ثم مقعد الرئاسة يونيو 2012.
تفاخر الجماعة بأنها التنظيم الأكبر والأقدم والأغنى، وهذا صحيح، لكنها لم تنفع نفسها ولم تحقق هدفها، لم ينفعها إلا الشعب، لولا الشعب لظلت الجماعة محظورة، وما ذاقت طعم السلطة، ولا تمكنت من حكم مصر.

4ــ فى برهانه الرابع جدد الشعب ثقته فى القيادة المدنية من الشباب والرموز السياسية والثقافية فى 30 يونيو، وهى نفس القيادة الأولى فى 25 يناير مخصوما منها جماعة الإخوان.
هذه المرة اجتهدت القيادة المدنية لتلافى بعض نقاط ضعفها، فلم تدخل الميدان من أبواب متفرقة كما فعلت فى يناير، بل تحت راية موحدة تبلورت عبر ثلاثة إنجازات تنظيمية على أرضية الوطنية المصرية الجامعة هى التيار الشعبى المصرى (سبتمبر 2012) ثم جبهة الإنقاذ (نوفمبر 2012) ثم حركة تمرد (إبريل 2013).
كان الإخوان ومعهم أنصارهم، وأيضا خصومهم، يعتقدون انهم جاءوا إلى الحكم ليبقوا وأن إسقاطهم مهمة مستحيلة. لكن الشعب يحقق المستحيل، جرفتهم موجة 30 يونيو العاتية، ثورة شعبية مبهرة هى الموجة الثانية لثورة يناير والامتداد الطبيعى لها والتصحيح لمسارها.
يحق لثوار يونيو أن يفاخروا بدورهم، وأن يفخر الشعب بهم، لكن عليهم ألا يتناسوا الحقيقة الساطعة: لولا الشعب لواجهوا مهمة مستحيلة.
ويدعى الفلول أنهم صناع 30 يونيو؛ خسئوا.
فلم يكونوا فيها إلا المؤلفة قلوبهم، شاركوا فيها متسترين، وتقبلهم الشعب على مضض، لا حاجة لهم وإنما تحاشيا ذكيا لمعركة جانبية معهم قد تشتت الجهد الرئيسي
كذب الفلول على يونيو ككذب الإخوان على يناير، والحقيقة تدحض الكذبتين مرتين، فالشعب بدون الفلول أسقط مباركهم، والشعب بدون الإخوان أسقط مرسيهم، ومن لا يستطيع حماية رئيس يؤيده لا يستطيع إسقاط رئيس يعارضه. لا يسقط الرؤساء إلا الشعب.
ويروج البعض أن الجيش هو صانع 30 يونيو، وهذا ادعاء كاذب جاهل مغرض يطعن فى شعبية الثورة ويخدم مقولة الانقلاب.
التناقض بين الدولة والجماعة لا يسمح بقيام أى تحالف مستقر بينهما، تسوية الصراع الطويل بين المؤسسة الأقوى فى الدولة (الجيش) والتنظيم الأكبر فى الشارع (الإخوان) مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، لهذا لم تعمر طويلا الصفقة الاضطرارية بين المجلس والجماعة التى جرت بسطوة الضغوط الدولية وضعف البدائل الوطنية وهيأت للإخوان الطريق إلى السلطة.
فشل الإخوان فى مهمة تدجين الأسد، وفشل الجيش فى مهمة ترويض النمرة.
كانت نوايا الجيش مع الشعب ضد حكم الإخوان، لكنه لم يحرك ساكنا ضدهم إلا بعد أن تحرك الشعب واحتشدت الملايين فى ميادين 30 يونيو، وعندما تحقق الجيش من الحضور الكاسح للشعب أعلن انحيازه له فى 3 يوليو، وهو موقف وطنى يليق بجيشنا، يفخر به الشعب ويحق للجيش أن يفخر به.
يقول المروجون إن الجيش أنقذ الشعب من حكم الإخوان.
والأصح أن الشعب هو الذى أنقذ نفسه وأنقذ جيشه.
لولا الشعب ما تمكن الجيش من تحريك كتيبة واحدة ضد الرئيس الإخوانى.
لولا الشعب لاستمر الجنرالات فيما كانوا عليه طوال سنة ثقيلة يقفون انتباه أمام مرسى مضطرين ويؤدون التحية مكرهين.

5ــ قيادة الشراكة الوطنية فى 3 يوليو كانت النتيجة المنطقية للثقة التى أعطاها الشعب لقيادته المدنية التى قادت الثورة ولجيشه الوطنى الذى انحاز لها، ومن هذين القطبين الرئيسيين مع إضافة رمزية للقضاء تشكلت سبيكة الشراكة الوطنية.
كانت المرة الأولى التى تجتمع فيها الثورة والدولة معا فى شراكة واعدة ومبشرة بإمكانية تأسيس الجمهورية الثالثة التى تحقق أهداف الثورة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، رئيس المحكمة الدستورية رئيسا مؤقتا للجمهورية ومن القيادة المدنية نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ونائبان له وعدد من الحقائب الوزارية، والجيش حاضر بقوته ونفوذه وشعبيته، وخريطة الطريق تلتزم بما سبق للقيادة المدنية إعلانه فى التحضير للثورة واكتسب مشروعيته من تأييد الملايين.
لولا الشعب وحضوره الطاغى على عناصر هذه السبيكة والمتكافئ فى تأييده لقطبيها ما اجتمعت معا فى سلطة واحدة وما تحققه هذه الشراكة الوطنية.

6ــ تسارعت الأحداث وكان موقف الإخوان هو العامل المحفز للانتقال السادس فى اختيار الشعب لقيادته.
أعلنت الجماعة خروجها على الشعب وتحديها لإرادته وتواتر التلويح بالعنف والتهديد بالدم من على منصة رابعة و«لو عاد مرسى سيتوقف الإرهاب فى سيناء». وفهم الشعب رسالة الجماعة باختصار غير مخل «يا نحكمكم يا نقتلكم» وهى إهانة مرفوضة لكرامة شعب قاد ثورتين فضلا عن أنها تهديد لأمنه وسلمه الأهلى وتماسك دولته. رد الشعب جاء متناسبا مع الرسالة «تهددنى ببندقية أواجهك بدبابة» ونقل الشعب القيادة إلى من يملك الدبابة والمدفعية، اختار المؤسسة العسكرية ليتمكن من مواجهة الإرهاب.
عبر الشعب عن هذا الاختيار فى خطوتين.
الأولى فى احتشاده للتفويض 26 يوليو 2013، وما لبثت الشراكة أن بدأت فى التفكك بالاستقالة ثم بالإقالة، قدم البرادعى استقالته ثم أقيلت حكومة الببلاوى.
وفى الخطوة الثانية بانتخاب المشير السيسى رئيسا للجمهورية 8 يونيو 2014
ولولا الشعب ـ مدفوعا بضرورة مواجهة خطر الإرهاب ـ ما هيمنت المؤسسة العسكرية على القرار السياسى، وما ترشح السيسى ولا فاز برئاسة الجمهورية.
فى الصراع الاجتماعى ــ وذروته الثورات ــ تتعدد الأدوار وتتنوع العوامل ويتكاثر الفاعلون، عوامل داخلية وأخرى خارجية، قوى اجتماعية وتنظيمات سياسية واجتماعية، مؤسسات دولة وأجهزة أمن ومخابرات ووسائل إعلام ومصادر تمويل وربما تسليح، الكل فاعلون ومتشابكون ومؤثرون بدرجات.
لكن تأثير كل فاعل يتوقف على مدى استجابة الشعب له.
يتوهم البعض ان الشعب ألعوبة يمكن التحكم فيها وتوجيهها بأدوات السلطة أو بالاعلام أو برأى النخب. وهم واهمون. كانت الدولة بكل سلطتها التنفيذية مع مبارك وأسقطه الشعب، وكان مرسى على رأس الدولة وأسقطه الشعب. وكان برلمان 2010 مع مبارك وبرلمان 2012 مع مرسى فلم يغنيا عنهما مع الشعب شيئا.
كانت طبلة الاعلام تدق لمبارك ولم تجمع الشعب معه، وعصا الأمن فى قبضته فلم تفرق الشعب المحتشد ضده.
الشعب يسمع ويرى ويتأثر بكل العوامل لكنه يقرر لنفسه، ليس بما يسمع من الإعلام وانما بما يرى ويعانى فى معيشته اليومية. من يتوهم قدرته على خداع الشعب لا يخدع الا نفسه.
وكل قراءة تبحث عن درجة الفاعلية ومدى التأثير وتجتهد لتحديد الفاعل الرئيسى أو العامل الحاسم أو البطل الأول.
قراءتنا تستخلص فى الدرس الأول أن الشعب هو البطل الأول.
وهو الدرس الأهم والذى تبنى عليه كل الدروس، من لا يعيه فهو غافل، ومن يتجاهله فهو جاهل، ومن يقفز فوقه سيقع ويدق عنقه.
الدرس الأول: لا حسم إلا بالشعب.

7ــ لا قيادة بلا تأهيل

أحد معايير الإدارة الناجحة قدرتها على تطبيق قاعدة الرجل المناسب فى المكان المناسب. وفى المؤسسات الكبرى يقوم قسم الموارد البشرية ‌‌HR بهذه المهمة وفق معايير مركبة تفيض بحوث علم الإدارة فى شرحها لتضمن أن من يتولى مسئولية تتوافر فيه المواصفات التى تؤهله لتحملها ولأداء الوظيفة وإنجاز المهمة.
تخلص هذه القراءة إلى أن الشعب المصرى طبق هذه القاعدة بكفاءة تثير الإعجاب فى اختياراته الستة للقيادة، وبذكاء يؤكد جدارته أن يكون القائد المعلم (بضم الميم فى الفصحى) وأيضا المعلم (بتسكين الميم أو فتحها أو كسرها فى العامية).
• عندما كانت المهمة إسقاط رئيس مستبد (مبارك ثم مرسى) اختار الشعب القيادة المدنية من الشباب والرموز السياسية والثقافية لأنها المؤهلة بحكم حماسها الشاب وقيمها الديمقراطية وخبراتها النضالية وتضحياتها المختبرة وبعدها عن مواقع السلطة واستقلالها عن أجهزة الدولة أن تقف فى وجه رأس النظام وتجاهر بإسقاطه.
• وحين أسقط الشعب مبارك كان يمكن أن يكلف نفس الإدارة المدنية بإدارة المرحلة الانتقالية فقد حازت ثقته بجدارة وأنجزت المهمة بكفاءة، لكنها لم تكن مؤهلة لأنها كانت تفتقد إلى خبرة ومهارات إدارة الدولة، ولأنها لم تنجح فى الاتفاق على تشكيل مجلس قيادة مدنى للثورة الشعبية المدنية رغم تعدد المحاولات التى شهدها ميدان التحرير، ولأنها لم تطلب هذا الدور أو تعرض نفسها للقيام به بل شاركت فى مباركة انتقال السلطة للمجلس العسكرى.
• وعندما كانت المهمة بناء مؤسسات دولة جديدة تلبى مطالب الشعب كانت شروط التأهيل حاضرة فى وعى الشعب؛ فالذين خدموه بالمستوصفات أولى بإدارة الصحة ومن أعطاه فصول تقوية مجانية أجدر بالتعليم ومن وزع عليه الزيت والسكر أقدر على إدارة التموين والأيدى المتوضئة من «بتوع ربنا» أضمن لمحاربة الفساد، هكذا أعطى الشعب أغلبية أصواته فى انتخابات البرلمان لجماعة الإخوان والسلفيين. خصوصا انهم كانوا الأكثر تأهيلا لإدارة الانتخابات بامتلاك خبرات وأدوات التمويل والدعاية والتربيط والحشد.
• وعندما كانت المهمة انتخاب رئيس الجمهورية الذى يحقق أهداف الثورة جاء القرار الشعبى واضحا: إسقاط الثنائية القديمة للنظام القديم والجماعة القديمة، وإنجاح الثورة.
كان التنافس على موقع أول رئيس فى جمهورية الثورة ضاريا وجاء التصويت كاشفا.
تماسك النظام القديم حول مرشحه، وتماسكت الجماعة حول مرشحها، وتوزعت الثورة على عدة مرشحين، قد تتفاوت الآراء فى أصالة انتسابهم إليها أو صدق تعبيرهم عنها.
لكن الشعب كان أمام ثلاثة بدائل رئيسية عليه أن يختار بينها: نظام قديم أو جماعة قديمة أو قوى مدنية تنتسب للثورة الجديدة.
أرقام التصويت فى الجولة الأولى أفصحت عن رأى الشعب
5.505.327 مليون صوت للنظام القديم حصدها مرشحه أحمد شفيق بنسبة 23.66%
5.764.952 مليون صوت للجماعة القديمة حصدها محمد مرسى بنسبة 24.78%.
9.088.796 مليون صوت للثورة حصدها مرشحوها بنسبة 38.97%.
4.820.273 مليون صوت لحمدين صباحى بنسبة 20.72% و4.65.239 مليون صوت لعبدالمنعم أبوالفتوح بنسبة 17.74% و134.065 ألف صوت لخالد على بنسبة 0.58% و40.090 ألف صوت لأبو العز الحريرى بنسبة 0.17% و291189 ألف صوت لهشام البسطويسى بنسبة 0.13%.
والدلالات قاطعة: الشعب أسقط طرفى الثنائية البائسة النظام والإخوان فمجموع
أصواتهما معا لم يصل إلى نصف عدد الأصوات.
الشعب منح الثورة المركز الأول، وضمن لها دخول جولة الاعادة التى كان مؤكدا بكل الاحتمالات ان تفوز بها فوزا مبينا.
2.588.850 مليون لعمرو موسى بنسبة 11.13% لو حسبناها لصالح النظام القديم باعتبار مشاركته فيه، وهو الحساب الأرجح، وأضفناها لأصوات أحمد شفيق لبلغا معا نسبة 34.79%. ولو حسبناها مع الثورة باعتبار تقديمه لنفسه فى برنامجه الانتخابى لبلغت أصوات الثورة 50.10% وفازت بالرئاسة دون حاجة إلى جولة اعادة.
لكن حساب الحقل لا ينطبق على حصاد البيدر. وقواعد العملية الانتخابية لا تطابق تماما اتجاهات الإرادة الشعبية.
ولم يكن العيب فى وعى الشعب وإنما فى موقف الذين ترشحوا باسم الثورة دون ان يتفقوا وافتقدوا القدرة على التماسك الضرورى فى لحظة فاصلة؛ فخسروا جميعا وأهدروا أصوات أغلبية الشعب وفوتوا على الثورة فرصة الفوز المستحق وسمحوا للطرفين الخاسرين أن يدخلا جولة الإعادة.
وحدة الموقف شرط من شروط التأهيل للقيادة، استوفاه الطرفان الخاسران شعبيا، وافتقده الطرف الفائز شعبيا فخسر معركة الرئاسة.
• وحين رأى الشعب أن القيادة المدنية لـ 30 يونيو أصلحت بعض عيوبها وتماسكت تنظيميا فى موقف موحد وأعلنت استعدادها لتحمل مسئولية القيادة فإنه لم يكرر ما حدث فى 11 فبراير حين أعطى القيادة للمجلس العسكرى منفردا بل أعطى ثقته لسبيكة الشراكة الوطنية فى 3 يوليو.
• فلما استولى خطاب العنف وأطلت فتنة الإرهاب نقل الشعب القيادة للمؤسسة العسكرية بالتفويض ثم أكدها بانتخاب السيسى رئيسا للجمهورية بحسبان ان المؤسسة ورجلها الأول هم الأقدر على التصدى للتهديد شبه العسكرى، والأكثر تأهيلا لإنجاز المهمة التى فرضتها الجماعة على الشعب.

8ــ لا محسوبية ولا تمييز

الشعب أعطى القيادة خلال هذه المرات الست للشباب والرموز المدنية وللمؤسسة العسكرية ولجماعة الإخوان وحلفائها.
كل فريق من هؤلاء له تاريخ من الصراع أو التناحر أو التنافس مع الفريقين الآخرين أو أحدهما.
لكن الشعب لم يتعامل مع أى منهم بمنطق المحسوبية فيعطيه القيادة على طول الخط ولو افتقد لمؤهلات إنجاز المهمة وإدارة المرحلة.
ولا بمنطق التمييز فيحرمه من القيادة على طول الخط وان كان مؤهلا لها بمعايير المهمة المطلوبة فى مرحلة معينة.
هذا شعب يرتفع فوق المجاملة والضغينة معا.
ويمنح الفرصة المتكافئة لكل أبنائه ما داموا قادرين على خدمته.
هذه الموضوعية والعقلانية والبرجماتية فى توظيف الشعب لقواه هى علامة على أهليته للممارسة الديمقراطية.

9ــ لا تفويض على بياض ولا مفر من الحساب

ست قيادات كلفها الشعب لكنه لم يمنح ايا منها تفويضا على بياض؛ التفويض مشروط.
وعلى أساس هذه الشروط يكون الحساب، ولا مفر من الحساب.
الشرط الحاكم فى التفويض هو أن تلتزم القيادة بأهداف الشعب وأن تتمكن من تحقيقها، أو السير الجاد على طريق تحقيقها، بأقصى كفاءة وبأقل كلفة وفى أقرب وقت.
والشعب هو الذى يحدد الأهداف.
كانت السنوات العجاف فى ظل مبارك قد انحدرت به إلى نظام تقوم أركانه الأربعة على الفقر والفساد والاستبداد والتبعية.
وحين قام بثورته معلنا: «الشعب يريد إسقاط النظام» حدد أهدافه «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية» وهو الشعار المبهر الذى يحدد الأهداف التى تمثل شرط التفويض لكل قيادة سيختارها 1ــ العدالة الاجتماعية 2ــ القضاء على الفساد 3ــ الديمقراطية 4ــ الاستقلال الوطنى. وهى الأركان الأربعة لبنيان النظام الجديد.
فلما سالت دماء الشهداء فى 25 يناير وما بعدها ولم تزل بعد 30 يونيو وإلى الآن، أضاف هدفا خامسا هو العدالة الانتقالية.
ولما حلت بعد 3 يوليو مفردات ومتفجرات العنف محل الصراع السياسى أضاف الهدف السادس وهو اجتثاث الإرهاب.
كل تفويض، لكل قيادة، مشروط بالتزامها بتحقيق هذه الأهداف أو التقدم بكفاءة نحو تحقيقها، والذى بيده حق التفويض بيده حق الحساب.
الذى فوض القيادة الثورية المدنية حتى أسقط مبارك لم يستمر فى تفويضها من بعده لأنها لم تستوف شروط وحدتها وتأهيلها لإدارة الدولة.
والذى فوض المجلس العسكرى وردد هتاف «الجيش والشعب إيد واحدة» هو الذى رددت طلائعه الشابة «يسقط يسقط حكم العسكر» وألزمه فى مليونية جمعة الحسم بإعلان موعد الانتخابات وانتهاء تفويضه.
والذى فوض الإخوان عبر الانتخابات ـ برلمانية ورئاسية ـ هو الذى احتشد فى الموجة الثانية من الثورة مرددا هتافه الشعبى «يسقط يسقط حكم المرشد»
لم يفلت أحد من حساب الشعب.
ولن يفلت أحد من حساب الشعب.

10ــ نذير وبشير

الإيمان بالشعب ليس مجرد موقف أخلاقى.
إنه موقف فكرى وسياسى وحركى بامتياز.
وهو معيار فرز، بل أهم معايير الفرز.
بين الذين يحترمون ويوقرون الشعب والذين يحتقرونه وينكرونه.
بين الذين ينتصرون للشعب والذين يحاولون الانتصار عليه.
بين الذين يرونه قائدا والذين يتوهمونه تابعا.
بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة.
الثقة فى الشعب ضرورة استراتيجية وتعبوية فى الصراع الاجتماعى وشرط لإدارة تكتيكاته ومراحله، والشرط الأهم لتحقيق النصر فيه، الوعى بقيمة ودور الشعب هو التأسيس الأول للوعى الوطنى والثورى والديمقراطى والتقدمى والمدنى.
والذين يستخفهم النزق أو يستفزهم الغضب فيطلقون نيرانهم الصديقة على الشعب عليهم أن يفيقوا ويعوا. فبدون الشعب لا وطنية ولا ثورية ولا ديمقراطية ولا تقدمية ولا مدنية ولا يحزنون.
ولا ينقص هؤلاء إلا قراءة واعية صافية تجلى عظمة هذا الشعب وتكشف عن بعض القوانين أو السنن التى تواترت فى مسيرة السنوات الأربع من ثورة لم تكتمل.
الظواهر الطبيعية تحكمها قوانين صارمة، إذا ما توافرت نفس الشروط فمن المحتم أن تترتب نفس النتائج.
الظواهر الاجتماعية لا تتحمل بطبيعتها صرامة القوانين الحتمية للطبيعة، لكنها تنطوى على سنن تفسر وتساعد على التنبؤ.
سنن لا تترك التطور الإنسانى دون استيعاب لدروسه واستخلاص لقوانينه أو سننه، ولا تركن فى فهم حركة التاريخ إلى الصدفة أو العشوائية أو الهزل، التاريخ جد، إذا توافرت فى لحظة منه نفس الشروط فمن المرجح أن تترتب نفس النتائج وفق سنن متواترة أو قوانين مرجحة.
وقراءتنا لتاريخ ثورتنا تكشف لنا ما أسلفنا شرحه من السنن أو القوانين:
1ــ لا حسم إلا بالشعب.
2ــ لا قيادة بلا تأهيل.
3ــ لا محسوبية ولا تمييز.
4ــ لا تفويض على بياض
5ــ لا مفر من الحساب.
إدراك هذه القوانين والوعى بها والحركة على هديها والجهد لاستيفاء شروطها يساعدنا على وضوح الرؤية لماضينا ومستقبلنا والتقدم بثبات نحو استكمال الثورة حتى تحقيق كل أهدافها.
السنن الإنسانية والقوانين الاجتماعية لها قوة نافذة وفاعلية سارية ثبت صحتها فيما فات وستتأكد فيما هو آت. وهذا هو البشير لقوى الثورة والنذير لأعدائها.

11ــ والهالك اللى يجهلك

«دار الفلك فى مغزلك
طول السنين ما أمهلك
أنت الأزل وأنت الأبد
والهالك اللى يجهلك
يا شعب يا نبض الوجود
الحب لك والحكم لك.
الليل حلك والبوم سلك
والبحر عطشان منهلك
والسهم طاش اسقى العطاش
أنت الكريم وبنسألك
يهوذا خان.. اكم يهوذا وباع مسيح
لا يهوذا دام.. ولا جرح بيلازم جريح
مليون يهوذا خان أمانك وانهلك
وأنت اللى باقى ع السواقى ومنجلك
يفرش حصير القمح فوق دم المسيح
وأنت الجريح
تيجى الأطبا وتسألك
ما أحملك ما أجملك ما أنبلك
يا شعب يا نبض الوجود
الحكم لك والحب لك»

يصور المخرج سعد عرفة فى فيلم غرباء شخصية الشاب المتدين (شكرى سرحان) الذى يحاول أن يهدى شقيقته الشابة (سعاد حسنى) إلى ما يعتقد أنه الطريق القويم لكنها لا تطيعه، فيلجأ إلى شيخه (محمد السبع) شاكيا عجزه عن هدايتها، يقول الشيخ الذى يكسب من عرق يده: لو أحببتها لهديتها، هل تحبها؟ فيسارع الشاب مؤكدا: طبعا باحبها يا مولانا. يشمله الرجل النورانى بنظرة محبة ويقول له: ليس بما فيه الكفاية، ليس بما فيه الكفاية.
ويقول الثائر مغاضبا: أيوه بحب الشعب.
نعم يحب الشعب لكن ليس بما فيه الكفاية.
ليس بما فيه الكفاية لكى يهتدى إلى الشعب ويهتدى بالشعب.
الشعب يعرف الإجابة عن السؤال الشهير: عدو ولا حبيب؟
له من سلامة الفطرة وعمق التجربة ونفاذ الحدس ما يمكنه دوما أن يميز الخبيث من الطيب والكاذب من الصادق والعدو من الحبيب.
قد يمهل عدوا لكنه لا يهمل حتى إذا آن أوان تخليص الحق أذاقه من بأسه.
وقد يهجر حبيبا هجرا جميلا لكنه يبقيه فى قلبه ثم يضمه حين يعود إلى حضنه.
فى علاقة الثورى بالشعب مزيج من علاقة الطالب المجد بأستاذه العالم، وعلاقة الجندى الشجاع بقائده الباسل، وعلاقة المريد المحب بشيخه الزاهد.
وإذا كان لهذا النص الطويل من فائدة أرجوها، تكافئ مشقتى الواجبة فى صياغته ومشقتك الكريمة فى قراءته، فهى أن يلفت انتباه بعض الثائرين لكى يصلحوا علاقتهم بالشعب، ويصالحوا الشعب، ويفتحوا عقولهم وقلوبهم لتقدير الشعب حق قدره.
أن يؤمنوا أنه ليس للثورة، ولا لهم، من بعد الله سبحانه وتعالى إلا هذا الشعب.
وأن يثقوا فى الله ويثقوا فى الشعب ويثقوا فى النفس ثم يستبشرون بالنصر.
وأنه ليس للمؤمن من دعاء إلا يا رب، وليس للثورى من رجاء إلا بالشعب.
آن للثائر ان يقول لنفسه: استقم فى حضرة الشعب وتأدب وتعلم، واسلك نفسك مع الذين يثقون أنه القائد والمعلم، جاهد نفسك وهذب قولك وسدد رأيك، اشحذ عزمك وجدد أملك واخلص عملك، وكن من الشعب فى مقام «أنا العاشق أنا الدرويش.. صلاة الثورة متفوتنيش»
التضمينات الشعرية بين علامتى تنصيص على الترتيب للشعراء:
صلاح جاهين (بتصرف) ــ أمل دنقل (بتصرف) ــ على قنديل ــ أحمد فؤاد نجم ــ عبدالرحمن الأبنودى.

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظه لموقع جريدة الحلم العربي نيوز | تطوير المركز العالمي لحماية التجارة الالكترونية 2020 ©